الشيخ محمد الصادقي الطهراني

44

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الأولوية تخرجها عن اشتراكية الانتفاع ، فإنه لمن استثمرها على حده ، ولا تخرجها عن اشتراكية العين . فإن تركها مستثمرها - دون عذر أو حاجة - كان لمن يحتاجها باستثمارها دون مشاكة فيها ، كما لو استثمر أكثر مما يحق لم يحق له إلّا قدره ، وهو في الزائد عامل في الأرض ليس له إلّا أجرة المثل . فحذار حذار على أكلة الأرض ، فليس كما يزعمون أنهم يملكون مَدَّ أعينهم من أرض اللَّه كما تمدهم أموالهم وأعوانهم ، وانما لكلٍّ نصيبُه حسب المكانة والمكان والحاجة المراعاة فيها حاجات الآخرين ، بالتحجير والإحياء والتعمير ، فلو حجّر دون إحياء ، أو أحيى دون تعمير مغبة استغلالها في غلائِها زالت عنه هذه الأولوية المسموحة ، وانتقلت إلى من يستغلها لحاجته أو حاجيات الآخرين . وهاتان الضابطتان تسمحان لكل انسان أن يستفيد من ارض اللَّه التي خلق لهم جميعاً ، كلٌ كما سعى وقدر الحاجة ، دون اجحاف بحقوق الآخرين ، فلا تبقى أرض صالحة معطلة ، ولا عاطل عن استثمارها ولا عامل - فقط - لمن يستثمرها ، قضيةَ العدل والنصفة وإعطاء كل ذي حق حقه ، حيث تقتسم الأولويات بين الساعين قدر الحاجيات ، ثم هم في الزائد كعمال لأنفسهم وسواهم على سواء . ومن حصائل هذا البحث أن الأرض - أيَّة أرض - لا تُملك وإنما تُملك منافعها المحللة لمن أحياها ، دون رقبتها إذ ليست مما سعاه محييها ، والقاعدة الحاصرة القرآنية : « وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى » تحصر الملك فيما يحصل بالسعي ، وتحسره عما سواه ، وليست الأرض سعياً لأحد إلّا اللَّه ، اللّهم إلّا منافعها لمن يحييها . فإن قلت : الأموال الموروثة أو المهداة والتي تُنفق في حلها هذه ايضاً ليست مما سعى لها من يرثونها أو يُهدى ويُنفق لهم . قلنا : اجل ، ولكن كونها لسعاتها يسمح لهم أن يورثوها وينفقوها لمن يشاءون فيملكها غير سعاتها بما مّلكوها إياهم ، قضيةَ الملكية المطلقة لهم ، فالمال - أيُّ مال - إنما يُملك بالسعي أو التمليك ، وليست الأرض من سعى محييها ، ولا يملِّكها أحد حتى يملكها من يشاء ، إلّا اللَّه ولم يملكها لناس خصوص وإنما « لكم جميعاً » . « خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء . . » .